غانم قدوري الحمد

51

محاضرات في علوم القرآن

في قوله تعالى : هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ ( 2 ) [ الجمعة ] فسرها بالخط والقلم ، وكلمة ( الكتاب ) مصدر للفعل ( كتب ) مثل الكتابة « 1 » ، فقال : « الكتاب : الخط بالقلم ، لأن الخط فشا في العرب بالشرع ، لما أمروا بتقييده بالخط » « 2 » . ثانيا - النبيّ صلى اللّه عليه وسلم يأمر بكتابة القرآن : نزل القرآن مفرقا ، وكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قد يسر اللّه له حفظ القرآن ، فلم تكن به حاجة إلى مصحف يقرأ فيه ، وكان يتلوه على صحابته ، ويأمرهم بتعهده خشية نسيانه ، وآفة الحفظ النسيان ، ولهذا أمر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بكتابة القرآن ، ونقل عنه أنه قال : « قيّدوا العلم بالكتاب » « 3 » . وهذا القول من جوامع الكلم ، فقد جعل صلى اللّه عليه وسلم الكتابة كالقيد للعلم ، فلا يذهب ولا ينسى . وكان القرآن الكريم أولى بالتقييد من غيره ، حتى لقد قال صلى اللّه عليه وسلم في الحديث المشهور الذي رواه أبو سعيد الخدري : « لا تكتبوا عني شيئا إلا القرآن ، ومن كتب عني شيئا غير القرآن فليمحه » « 4 » . وكان ذلك خشية أن تختلط ألفاظ الوحي بحديثه صلى اللّه عليه وسلم ، وقد أذن لبعض الصحابة بكتابة الحديث بعد ذلك « 5 » . ونقل الصحابة عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه كان كلما نزل عليه الوحي دعا بعض من يكتب له ، فيقول له : ضع هذه الآية أو الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا « 6 » ، يعني اسم السورة . وكان كثيرا ما يقول : « ادع لي زيدا ، وليجئ باللّوح

--> ( 1 ) ابن منظور : لسان العرب 2 / 192 كتب . ( 2 ) ينظر : القرطبي : الجامع لأحكام القرآن 18 / 92 . ( 3 ) الخطيب : تقييد العلم ص 69 ، وروى الدارمي هذه الكلمة عن عمر بن الخطاب ( سنن الدارمي 1 / 127 ) ، وقد يكون عمر اقتبسها عن النبي واستشهد بها . ( 4 ) صحيح مسلم بشرح النووي 18 / 129 ، والدارمي : كتاب السنن 1 / 119 . ( 5 ) ينظر : سنن الدارمي 1 / 125 . ( 6 ) أبو داود : كتاب السنن 1 / 209 ، وأبو شامة : المرشد الوجيز ص 233 ، والزركشي :